الغزالي

89

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

الخنازير : فمن منح الجهّال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم فإن قلت : هذا لا شك فيه غير أن العلوم الإلهية يختلف فيها وقد كثرت فرق الإسلاميين فعلى رأي من أعول . فاعلم يا أخي أنك متى كنت ذاهبا إلى تعرف الحق بالرجال من غير أن تتكل على بصيرتك فقد ضل سعيك ، فإن العالم من الرجال إنما هو كالشمس أو كالسراج يعطي الضوء ، ثم انظر ببصرك فإن كنت أعمى فما يغني عنك السراج والشمس فمن عول على التقليد هلك هلاكا مطلقا . فإن قلت : فكيف الخلاص فيه ؟ فهذا الآن حديث يطول ويحتاج إلى إطناب وإسهاب ، وقد أعلمتك أني مشتغل مبدد لشمل النفس كليل الخاطر ، ولكن لتعلم أن الأوصاف الراجعة إلى اللّه تعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام : إما وصف يجب له ، وإما مستحيل عليه ، وإما جائز في حكمه فلا يتلقف أحد الجائزين بسبب إلا من جهة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فكل واجب ، أو مستحيل فخذه من جهة العقل . فإن قلت : ذلك اطلب فمن أين آخذه وكيف أتوصل إليه ؟ فأقول : سأبين لك منه مقدارا يليق بهذه العجالة . فإن قلت : وكيف أصنع أيضا في فروع الأحكام وهي الأمور السياسية ، فقد اختلفت الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم ؟ فأقول : فإذا الاشكال من جهة الخلاف في أصول الدين وفروعه ، وقد كشف العي في أصول الدين ووعدتك بالباقي ، وأما الخلاف في الفروع فلك فيه حيلتان : إحداهما أن تعرف أصول الفقه وأحكام الشريعة معرفة دون تقليل ، ثم تعمل بما علمته وتترك الناس جانبا خالفت أو وافقت فهذه حيلة وقد جعلت في ذلك كتابا سميته ( برسالة الأقطاب ) تختص بأصول الفقه خاصة على الطريق البرهاني ، فإن شئت فاحفظها واحفظ أحكام الحديث والسنة أو تكون عندك كتبها وذلك منحصر في ثلاثة أسفار : أما أحكام الحديث فقد جمعها الزبدوني وأحكمها الفرائض لإسماعيل القاضي وغيره ، وأحكمها الأحكام لأبي الحسن الطبري الملقب بشفاء العليل ، وبأصول الفقه تهتدي إلى ما غاب عنك . فإن تعذر هذا عليك فعليك بجملة ثانية وهو أن تنظر كل مختلف فتصير إلى الطرف الأكمل . مثال ذلك مذهب أبي حنيفة في التوضؤ بالنبيذ ، فاستعمل أنت مذهب مالك في تركه فهو أحوط ، وكذلك مذهب الشافعي في التوجيه والبسملة وقراءة أم القرآن في الصلاة فاستعمله فهو أحوط من مذهب مالك فيه ، فهاتان حيلتان لطريق الكمال . فإن عجزت عنهما فعليك بتقليد إمام واحد فاعمل على مذهبه ، فإحكام الظاهر يسير الخطب قد فهمت هذا وإنما المشكل علي هو أمر الأمور العقلية حتى أميز فيها الحق من الباطل ، فقد علمت من هذا طريق الخلاص في الفروع ، فاعلم أن الأمور التي تخوض فيها قوة المفكرة ترجع إلى أربعة أقسام : معقولات